فصل: تفسير الآية رقم (197)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآيات رقم ‏[‏191- 192‏]‏

‏{‏وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ‏(‏191‏)‏ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏192‏)‏‏}‏

هذا أمر بقتل من يعثر عليه منهم وإن لم يكن في ساحة القتال، فإنّه بعد أن أمرهم بقتال من يقاتلهم عَمَّمَ المواقع والبقاع زيادة في أحوال القتل وتصريحاً بتعميم الأماكن فإن أهمية هذا الغرض تبعث على عدم الاكتفاء باقتضاء عموم الأشخاص تَعْمِيمَ الأمكنة ليكون المسلمون مأذونين بذلك فكل مكان يحل فيه العدو فهو موضع قتال، فالمعنى واقتلوهم حيث ثقفتموهم إن قاتلوكم‏.‏

وعطفت الجملة على التي قبلها وإن كانت هي مكملة لها باعتبار أن ما تضمنته قتل خاص غير قتال الوغَى فحصلت المغايرة المقتضية العطف، ولذلك قال هنا واقتلوهم واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل‏}‏ ولم يقل‏:‏ وقاتلوهم مثل الآية قبلها تنبيهاً على قتل المحارب ولو كان وقت العثور عليه غيرَ مباشر للقتال وأنه من خرج محارباً فهو قاتل وإن لم يَقْتُلْ‏.‏

و ‏{‏ثقفتموهم‏}‏ بمعنى لقيتموهم لقاء حرب وفِعله كفرح، وفسره في «الكشاف» بأنه وجود على حالة قهر وغلبة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وأخرجوهم من حيث أخرجوكم‏}‏ أي يحل لكم حينئذٍ أن تخرجوهم من مكة التي أخرجوكم منها، وفي هذا تهديد للمشركين ووعد بفتح مكة، فيكون هذا اللقاء لهذه البشرى في نفوس المؤمنين ليسْعوا إليه حتى يدركوه وقد أدركوه بعد سنتين، وفيه وعد من الله تعالى لهم بالنصر كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 27‏]‏ الآية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والفتنة أشد من القتل‏}‏ تذييل وأل فيه للجنس تدل على الاستغراق في المقام الخَطَابيِّ، وهو حجة للمسلمين ونفي للتبعة عنهم في القتال بمكة إن اضطروا إليه‏.‏ والفتنة إلقاء الخوف واختلال نظام العَيْششِ وقد تقدمت عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 102‏]‏، إشارة إلى ما لقيه المؤمنون في مكة من الأذى بالشتم والضرب والسخرية إلى أن كان آخره الإخراج من الديار والأموال، فالمشركون محقوقون من قبل فإذا خفروا العهد استحقوا المؤاخذة بما مضى فيما كان الصلح مانعاً من مؤاخذتهم عليه؛ وإنما كانت الفتنة أشد من القتل لتكرر إضرارها بخلاف ألم القتل، ويراد منها أيضاً الفتنة المتوقعة بناء على توقع أن يصدوهم عن البيت أو أن يغدروا بهم إذا حلوا بمكة، ولهذا اشترط المسلمون في صلح الحديبية أنهم يدخلون العام القابل بالسيوف في قرابها، والمقصد من هذا إعلان عذر المسلمين في قتالهم المشركين وإلقاء بغض المشركين في قلوبهم حتى يكونوا على أهبة قتالهم والانتقام منهم بصدور حرجة حنقة‏.‏ وليس المراد من الفتنة خصوص الإخراج من الديار، لأن التذييل يجب أن يكون أعم من الكلام المذيَّل‏.‏

الجملة معطوفة على جملة ‏{‏واقتلوهم حيث ثقفتموهم‏}‏ التي أفادت الأمر بتتبع المقاتلين بالتقتيل حيثما حَلُّوا سواء كانوا مشتبكين بقتال المسلمين أم كانوا في حالة تنقل أو تطلع أو نحو ذلك لأن أحوال المحارب لا تنضبط وليست في الوقت سعة للنظر في نواياه والتوسم في أغراضه، إذ قد يبادره إلى اغتيال عدوه في حال تردده وتفكره، فخص المكان الذي عند المسجد الحرام من عموم الأمكنة التي شملها قوله‏:‏ ‏{‏حيث ثقفتموهم‏}‏ أي إن ثقفتموهم عند المسجد الحرام غير مشتبكين في قتال معكم فلا تقتلوهم، والمقصد من هذا حفظ حرمة المسجد الحرام التي جعلها الله له بقوله‏:‏

‏{‏مقام إبراهيم ومن دخله كان ءامناً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 97‏]‏، فاقتضت الآية منع المسلمين من قتال المشركين عند المسجد الحرام، وتدل على منعهم من أن يقتلوا أحداً من المشركين دون قتال عند المسجد الحرام بدلالة لحن الخطاب أو فحوى الخطاب‏.‏

وجعلت غاية النهي بقوله‏:‏ ‏{‏حتى يقاتلونكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم‏}‏ أي فإن قاتلوكم عند المسجد فاقتلوهم عند المسجد الحرام، لأنهم خرقوا حرمة المسجد الحرام فلو تركت معاملتهم بالمثل لكان ذلك ذريعة إلى هزيمة المسلمين‏.‏ فإن قاتلوا المسلمين عند المسجد الحرام عاد أمر المسلمين بمقاتلتهم إلى ما كان قبل هذا النهي فوجب على المسلمين قتالهم عند المسجد الحرام وقتل من ثقفوا منهم كذلك‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاقتلوهم‏}‏ تنبيه على الإذن بقتلهم حينئذٍ ولو في غير اشتباك معهم بقتال، لأنهم لا يؤمنون من أن يتخذوا حرمة المسجد الحرام وسيلة لهزم المسلمين‏.‏

ولأجل ذلك جاء التعبير بقوله‏:‏ ‏{‏فاقتلوهم‏}‏ لأنه يشمل القتل بدون قتال والقتل بقتال‏.‏

فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن قاتلوكم‏}‏ أي عند المسجد الحرام فاقتلوهم هنالك، أي فاقتلوا من ثقفتم منهم حين المحاربة، ولا يصدكم المسجد الحرام عن تقصي آثارهم لئلا يتخذوا المسجد الحرام ملجأ يلجؤون إليه إذا انهزموا‏.‏

وقد احتار كثير من المفسرين في انتظام هذه الآيات من قوله‏:‏ ‏{‏وقاتلوا في سبيل الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 190‏]‏ إلى قوله هنا ‏{‏كذلك جزاء الكافرين‏}‏ حتى لجأ بعضهم إلى دعوى نسخ بعضها ببعض فزعم أن آيات متقارنة بعضها نسخ بعضاً؛ مع أن الأصل أن الآيات المتقارنة في السورة الواحدة نزلت كذلك ومع ما في هاته الآيات من حروف العطف المانعة من دعوى كون بعضها قد نزل مستقلاً عن سابقه وليس هنا ما يلجئ إلى دعوى النسخ، ومن المفسرين من اقتصر على تفسير المفردات اللغوية والتراكيب البلاغية وأعرض عن بيان المعاني الحاصلة من مجموع هاته الآيات‏.‏

وقد أذن الله للمسلمين بالقتال والقتل للمقاتل عند المسجد الحرام ولم يعبأ بما جعله لهذا المسجد من الحرمة؛ لأن حرمته حرمة نسبته إلى الله تعالى فلما كان قتال الكفار عنده قتالاً لمنع الناس منه ومناوأة لدينه فقد صاروا غير محترمين له ولذلك أمرنا بقتالهم هنالك تأييداً لحرمة المسجد الحرام‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏(‏ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه‏)‏ ثلاثتها بألف بعد القاف، وقرأ حمزة والكسائي‏:‏ ‏(‏ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم‏)‏ بدون ألف بعد القاف، فقال الأعمش لحمزة أرأيت قراءتك هذه كيف يكون الرجل قاتلاً بعد أن صار مقتولاً‏؟‏ فقال حمزة‏:‏ إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا قتلنا اه يريد أن الكلام على حذف مضاف من المفعول كقوله‏:‏

غَضِبت تميم أَنْ تُقتَّل عامر *** يوم النسار فأُعْتِبُوا بالصَّيْلَم

والمعنى ولا تقتلوا أحداً منهم حتى يقتلوا بعضكم فإن قتلوا بعضكم فاقتلوا من تقدرون عليه منهم وكذلك إسناد ‏(‏قتلوا‏)‏ إلى ضمير جماعة المشركين فهو بمعنى قتل بعضهم بعض المسلمين لأن العرب تسند فعل بعض القبيلة أو الملة أو الفرقة لما يدل على جميعها من ضمير كما هنا أو اسم ظاهر نحو قتلتنا بنو أسد‏.‏ وهذه القراءة تقتضي أن المنهي عنه القتل فيشمل القتل باشتباك حرب والقتل بدون ملحمة‏.‏

وقد دلت الآية بالنص على إباحة قتل المحارب إذا حارب في الحرم أو استولى عليه لأن الاستيلاء مقاتلة؛ فالإجماع على أنه لو استولى على مكة عدو وقال‏:‏ لا أقاتلكم وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال؛ نقله القرطبي عن ابن خويز منداد من مالكية العراق‏.‏ قال ابن خويز منداد‏:‏ وأما قوله‏:‏ ‏{‏ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه‏}‏ فيجوز أن يكون منسوخاً بقوله‏:‏ ‏{‏وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 193‏]‏‏.‏

واختلفوا في دلالتها على جواز قتل الكافر المحارب إذا لجأ إلى الحرم بدون أن يكون قتال وكذا الجاني إذا لجأ إلى الحرم فاراً من القصاص والعقوبة فقال مالك‏:‏ بجواز ذلك واحتج على ذلك بأن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا انسلخ الأشهر الحرم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏ الآية قد نسخ هاته الآية وهو قول قتادة ومقاتل بناء على تأخر نزولها عن وقت العمل بهذه الآية والعام المتأخر عن العمل ينسخ الخاص اتفاقاً‏.‏

وبالحديث الذي رواه في «الموطأ» عن أنس بن مالك ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء أبو برزة فقال‏:‏ ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلوه ‏"‏ وابن خطل هذا هو عبد العزى بن خطل التيمي كان ممن أسلم ثم كفر بعد إسلامه وجعل دأبه سب رسول الله صلى الله عليه وسلم والإسلام فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح دمه فلما علم ذلك عاذ بأستار الكعبة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله حينئذٍ، فكان قتل ابن خطل قتل حد لا قتل حرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع المغفر عن رأسه وقد انقضت الساعة التي أحل الله له فيها مكة‏.‏

وبالقياس وهو أن حرمة المسجد الحرام متقررة في الشريعة فلما أذن الله بقتل من قاتل في المسجد الحرام علمنا أن العلة هي أن القتال فيه تعريض بحرمته للاستخفاف، فكذلك عياذ الجاني به، وبمثل قوله قال الشافعي، لكن قال الشافعي إذا التجأ المجرم المسلم إلى المسجد الحرام يضيق عليه حتى يخرج فإن لم يخرج جاز قتله، وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يقتل الكافر إذا التجأ إلى الحرم إلاّ إذا قاتل فيه لنص هاته الآية وهي محكمة عنده غير منسوخة وهو قول طاووس ومجاهد‏.‏

قال ابن العربي في «الأحكام»‏:‏ حضرت في بيت المقدس بمدرسة أبي عقبة الحنفي والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة فبينا نحن كذلك إذ دخل رجل عليه أطمار فسلم سلام العلماء وتصدر في المجلس، فقال القاضي الزنجاني‏:‏ من السيد‏؟‏ فقال‏:‏ رجل من طلبة العلم بصاغان سلبه الشطار أمس، ومقصدي هذا الحرم المقدس فقال القاضي الزنجاني‏:‏ سلوه عن العادة في مبادرة العلماء بمبادرة أسئلتهم، ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل أم لا‏؟‏ فأجاب بأنه لا يقتل، فسئل عن الدليل فقال‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قرئ ‏(‏ولا تقتلوهم‏)‏ فالآية نص وإن قرئ ‏(‏ولا تقاتلوهم‏)‏ فهي تنبيه، لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلاً بيناً على النهي عن القتل فاعترض عليه الزنجاني منتصراً لمالك والشافعي وإن لم ير مذهبهما على العادة، فقال هذه الآية منسوخة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏ فقال الصاغاني هذا لا يليق بمنصب القاضي، فإن الآية التي اعترضتَ بها عامة في الأماكن والتي احتججتُ بها خاصة ولا يجوز لأحد أن يقول‏:‏ إن العام ينسخ الخاص فأُبْهِت القاضي الزنجاني، وهذا من بديع الكلام اه‏.‏

وجواب هذا أن العام المتأخر عن العمل بالخاص ناسخ وحديث ابن خطل دل على أن الآية التي في براءة ناسخة لآية البقرة‏.‏ وأما قول الحنفية وبعض المالكية‏:‏ إن قتل ابن خطل كان في اليوم الذي أحل الله له فيه مكة فيدفعه أن تلك الساعة انتهت بالفتح وقد ثبت في ذلك الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزع حينئذٍ المغفر وذلك أمارة انتهاء ساعة الحرب‏.‏

وقال ابن العربي في «الأحكام»‏:‏ الكافر إذا لم يقاتل ولم يجن جناية ولجأ إلى الحرم فإنه لا يقتل، يريد أنه لا يقتل القتل الذي اقتضته آية ‏{‏واقتلوهم حيث ثقفتموهم‏}‏ وهو مما شمله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كذلك جزاء الكافرين‏}‏، الإشارة إلى القتل المأخوذ من قوله‏:‏ ‏{‏فاقتلوهم‏}‏ أي كذلك القتل جزاؤهم على حد ما تقدم في قوله‏:‏ ‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطاً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ البقرة‏:‏ 143‏]‏ ونكتة الإشارة تهويله أي لا يقل جزاء المشركين عن القتل ولا مصلحة في الإبقاء عليهم؛ وهذا تهديد لهم، فقوله ‏{‏كذلك‏}‏ خبر مقدم للاهتمام وليست الإشارة إلى

‏{‏وقاتلوا في سبيل الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 190‏]‏ لأن المقاتلة ليست جزاء؛ إذ لا انتقام فيها بل القتال سجال يوماً بيوم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم‏}‏ أي فإن انتهوا عن قتالكم فلا تقتلوهم؛ لأن الله غفور رحيم، فينبعي أن يكون الغفران سنة المؤمنين، فقوله‏:‏ ‏{‏فإن الله غفور رحيم‏}‏ جواب الشرط وهو إيجاز بديع؛ إذ كل سامع يعلم أن وصف الله بالمغفرة والرحمة لا يترتب على الانتهاء فيعلم أنه تنبيه لوجوب المغفرة لهم إن انتهوا بموعظة وتأييد للمحذوف، وهذا من إيجاز الحذف‏.‏

والانتهاء‏:‏ أصله مطاوع نهى يقال‏:‏ نهاه فانتهى ثم توسع فيه فأطلق على الكف عن عمل أو عن عزم؛ لأن النهي هو طلب ترك فعل سواء كان الطلب بعد تلبس المطلوب بالفعل أو قبل تلبسه به قال النابغة‏:‏

لقد نهيت بني ذبيان عن أُقُرٍ *** وعن تَرَبُّعهم في كل إصفار

أي عن الوقوع في ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏193‏]‏

‏{‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ‏(‏193‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 190‏]‏ وكان مقتضى الظاهر ألا تعطف هذه الجملة؛ لأنها مبينة لما أجمل من غاية الأمر بقتال المشركين ولكنها عطفت لما وقع من الفصل بينها وبين الجملة المبيَّنة‏.‏

وقد تضمنت الجمل السابقة من قوله‏:‏ ‏{‏ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 191‏]‏ إلى هنا تفصيلاً لجملة ‏{‏وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم‏}‏؛ لأن عموم ‏{‏الذين يقاتلونكم‏}‏ تنشأ عنه احتمالات في الأحوال والأزمنة والبقاع وقد انقضى بيان أحوال البقاع وأفضت التوبة الآن إلى بيان تحديد الأحوال بغاية ألا تكون فتنة‏.‏ فإذا انتهت الفتنة فتلك غاية القتال، أي إن خاسوا بالعهد وخفروا الذمة في المدة التي بينكم على ترك القتال فقد أصبحتم في حل من عهدهم فلكم أن تقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أخرى من بعد يفتنونكم بها وحتى يدخلوا في الإسلام، فهذا كله معلق بالشرط المتقدم في قوله‏:‏ ‏{‏فإن قاتلوكم فاقتلوهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 191‏]‏، فإعادة فعل ‏{‏وقاتلوهم‏}‏ لتبنى عليه الغاية بقوله‏:‏ ‏{‏حتى لا تكون فتنة‏}‏ وبتلك الغاية حصلت المغايرة بينه وبين ‏{‏وقاتلوا في سبيل الله‏}‏ وهي التي باعتبارها ساغ عطفه على مثله‏.‏ ف ‏(‏حتى‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏حتى لا تكون‏}‏ إما أن تجعل للغاية مرادفة إلى، وإما أن تجعل بمعنى كي التعليلية وهما متلازمان؛ لأن القتال لما غيي بذلك تعين أن الغاية هي المقصد، ومتى كانت الغاية غير حسية نشأ عن ‏(‏حتى‏)‏ معنى التعليل، فإن العلة غاية اعتبارية كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 217‏]‏‏.‏ وأيَّا ما كان فالمضارع منصوب بعد ‏(‏حتى‏)‏ بأن مضمرة للدلالة على ترتب الغاية‏.‏

والفتنة تقدمت قريباً‏.‏ والمراد بها هنا كالمراد بها هنالك، ولما وقعت هنا في سياق النفي عمت جميع الفتن فلذلك ساوت المذكورة هنا المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والفتنة أشد من القتل‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 191‏]‏ فإعادة الفتنة منكرة هنا لا يدل على المغايرة كما هو الشائع بين المعربين في أن المعرفة إذا أعيدت نكرة فهي غير الأولى؛ لأن وقوعها في سياق النفي أفاد العموم فشمل جميع أفراد الفتنة مساوياً للفتنة المعرفة بلام الاستغراق إلاّ أنه استغراق عرفي بقرينة السياق فتقيد بثلاثة قيود بالقرينة أي حتى لا تكون فتنة منهم للمسلمين في أمر الدين وإلاّ فقد وقعت فتن بين المسلمين أنفسهم كما في حديث‏:‏ «ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلاّ دخلته»‏.‏

وانتفاء الفتنة يتحقق بأحد أمرين‏:‏ إما بأن يدخل المشركون في الإسلام فتنزل فتنتهم فيه، وإما بأن يقتلوا جميعاً فتزول الفتنة بفناء الفاتنين‏.‏ وقد يُفرض انتفاء الفتنة بظهور المسلمين عليهم ومصير المشركين ضعفاء أمام قوة المسلمين، بحيث يخشون بأسهم، إلاّ أن الفتنة لما كانت ناشئة عن التصلب في دينهم وشركهم لم تكن بالتي تضمحل عند ضعفهم، لأن الإقدام على إرضاء العقيدة يصدر حتى من الضعيف كما صدر من اليهود غير مرة في المدينة في مثل قصة الشاة المسمومة، وقتلهم عبد الله بن سهل الحارثي في خيبر، ولذلك فليس المقصود هنا إلاّ أحد أمرين‏:‏ إما دخولهم في الإسلام وإما إفناؤهم بالقتل، وقد حصل كلا الأمرين في المشركين ففريق أسلموا، وفريق قتلوا يوم بدر وغيره من الغزوات، ومن ثم قال علماؤنا‏:‏ لا تقبل من مشركين العرب الجزية، ومن ثم فسر بعض المفسرين الفتنة هنا بالشرك تفسيراً باعتبار المقصود من المعنى لا باعتبار مدلول اللفظ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ويكون الدين لله‏}‏ عطف على ‏{‏لا تكون فتنة‏}‏ فهو معمول لأن المضمرة بعد ‏(‏حتى‏)‏ أي وحتى يكون الدين لله، أي حتى لا يكون دين هنالك إلاّ لله أي وحده‏.‏

فالتعريف في الدين تعريف الجنس، لأن الدين من أسماء المواهي التي لا أفراد لها في الخارج فلا يحتمل تعريفه معنى الاستغراق‏.‏

واللام الداخلة على اسم الجلالة لام الاختصاص أي حتى يكون جنس الدين مختصاً بالله تعالى على نحو ما قرر في قوله‏:‏ ‏{‏الحمد لله‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 2‏]‏، وذلك يئول إلى معنى الاستغراق ولكنه ليس عينه، إذ لا نظر في مثل هذا للأفراد، والمعنى‏:‏ ويكون دين الذين تقاتلونهم خالصاً لله لاحظ للإشراك فيه‏.‏

والمقصود من هذا تخليص بلاد العرب من دين الشرك وعموم الإسلام لها؛ لأن الله اختارها لأن تكون قلب الإسلام ومنبع معينه فلا يكون القلب صالحاً إذا كان مخلوط العناصر‏.‏

وقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أثراً جيداً قال‏:‏ جاءَ رجلان إلى ابن عمر أيام فتنة ابن الزبير فقالا‏:‏ إن الناس صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج‏؟‏ فقال‏:‏ يمنعني أن الله حرم دم أخي، فقالا‏:‏ ألم يقل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وقاتلوهم حتى لا تكزن فتنة ويكون الدين لله‏}‏ فقال ابن عمر‏:‏ قاتلنا مع رسول الله حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله، قال ابن عمر‏:‏ كان الإسلام قليلاً فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه وإما عذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة‏.‏ وسيأتي بيان آخر في نظير هذه الآية من سورة الآنفال‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين‏}‏، أي فإن انتهوا عن نقض الصلح أو فإن انتهوا عن الشرك بأن آمنوا فلا عدوان عليهم، وهذا تصريح بمفهوم قوله‏:‏ ‏{‏الذين يقاتلونكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 190‏]‏ واحتيج إليه لبعد الصفة بطول الكلام ولاقتضاء المقام التصريحَ بأهم الغايتين من القتال؛ لئلا يتوهم أن آخر الكلام نسخ أوله وأوجب قتال المشركين في كل حال‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فلا عدوان إلا على الظالمين‏}‏ قائم مقام جواب الشرط لأنه علة الجواب المحذوف، والمعنى فإن انتهوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه فلا تأخذوهم بالظنة ولا تبدءوهم بالقتال، لأنهم غير ظالمين؛ وإذ لا عدوان إلاّ على الظالمين، وهو مجاز بديع‏.‏

والعدوان هنا إما مصدر عدا بمعنى وثب وقاتل أي فلا هجوم عليهم، وإما مصدر عدا بمعنى ظلم كاعتدى فتكون تسميته عدواناً مشاكلة لقوله‏:‏ ‏{‏على الظالمين‏}‏ كما سمي جزاء السيئة بالسوء سيئة‏.‏ وهذه المشاكلة تقديرية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏194‏]‏

‏{‏الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ‏(‏194‏)‏‏}‏

جملة مستأنفة فصلت عن سوابقها لأنه استئناف بياني؛ فإنه لما بين تعميم الأمكنة وأخرج منها المسجد الحرام في حالة خاصة كان السامع بحيث يتساءل عما يماثل البقاع الحرام وهو الأزمنة الحرام أعني الأشهر الحرم التي يتوقع حظر القتال فيها‏.‏ فإن كان هذا تشريعاً نازلاً على غير حادثة فهو استكمال واستفصال لما تدعو الحاجة إلى بيانه في هذا المقام المهم، وإن كان نازلاً على سبب كما قيل‏:‏ إن المسلمين في عام القضية لما قصدوا مكة في ذي القعدة سنة سبع معتمرين خشوا ألاَّ يفي لهم المشركون بدخول مكة أو أن يغدروهم ويتعرضوا لهم بالقتال قبل دخول مكة وهم في شهر حرام، فإن دافعوا عن أنفسهم انتهكوا حرمة الشهر فنزلت هذه الآية، أو ما روي عن الحسن أن المشركين قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم حين اعتمر عمرة القضية‏:‏ أنُهيِتَ يا محمدُ عن القتال في الشهر الحرام قال‏:‏ نعم، فأرادوا قتاله فنزلت هذه الآية أي إن استحلوا قتالكم في الشهر الحرام فقاتلوهم أي أباح الله لهم قتال المدافعة، فإطلاق الشهر هنا على حذف مضاف واضح التقدير من المقام ومن وصفه بالحرام، والتقدير حرمة الشهر الحرام، وتكرير لفظ الشهر على هذا الوجه غير مقصود منه التعدد بل التكرير باعتبار اختلاف جهة إبطال حرمته أي انتهاكهم حرمته تسوغ لكم انتهاك حرمته‏.‏

وقيل‏:‏ معنى قوله‏:‏ ‏{‏الشهر الحرام بالشهر الحرام‏}‏، أن قريشاً صدتهم عن البيت عام الحديبية سنة ست ويسر الله لهم الرجوع عام القضية سنة سبع فقال لهم‏:‏ هذا الشهر الذي دخلتم فيه بدل عن الذي صددتم فيه، ونقل هذا عن ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي، يعني أنه من قبيل قولهم‏:‏ «يوم بيوم والحرْب سجال»‏.‏

والباء في قوله‏:‏ ‏{‏بالشهر الحرام‏}‏ للتعويض كقولهم‏:‏ صاعاً بصاع وليس ثمة شهران بل المراد انتهاك الحرمة منهم ومنكم وهما انتهاكان‏.‏

والتعريف في الشهر هنا في الموضعين يجوز أن يكون تعريف الجنس وهو الأظهر، لأنه يفيد حكماً عاماً ويشمل كل شهر خاص من الأشهر الحرم على فرض كون المقصود شهر عمرة القضية، ويجوز أن يكون التعريف للعهد إن كان المراد شهر عمرة القضية‏.‏

والأشهر الحرم أربعة‏:‏ ثلاثة متتابعة هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وحرمتها لوقوع الحج فيها ذهاباً ورجوعاً وأداء، وشهر واحد مفرد وهو رجب وكان في الجاهلية شهر العمرة وقد حرَّمته مضر كلها ولذلك يقال له‏:‏ رَجبُ مضر، وقد أشير إليها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏منها أربعة حرم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 36‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والحرمات قصاص‏}‏ تعميم للحكم ولذلك عطفه ليكون كالحجة لما قبله من قوله‏:‏ ‏{‏ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 191‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏الشهر الحرام بالشهر الحرام‏}‏ الخ، فالجملة تذييل والواو اعتراضية‏.‏

ومعنى كونها قصاصاً أي مماثلة في المجازاة والانتصاف، فمن انتهكها بجناية يعاقب فيها جزاء جنايته، وذلك أن الله جعل الحرمة للأشهر الحرم لقصد الأمن فإذا أراد أحد أن يتخذ ذلك ذريعة إلى غدر الأمن أو الإضرار به فعلى الآخر الدفاع عن نفسه، لأن حرمة الناس مقدمة على حرمة الأزمنة، ويشمل ذلك حرمة المكان كما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 191‏]‏، والإخبار عن الحرمات بلفظ ‏(‏قصاص‏)‏ إخبار بالمصدر للمبالغة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه‏}‏ تفريع عن قوله‏:‏ ‏{‏والحرمات قصاص‏}‏ ونتيجة له، وهذا وجه قول «الكشاف»‏:‏ إنه فذلكة، وسُمي جزاء الاعتداء اعتداء مشاكلة على نحو ما تقدم آنفاً في قوله‏:‏ ‏{‏فلا عدوان إلا على الظالمين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 193‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بمثل ما اعتدى عليكم‏}‏ يشمل المماثلة في المقدار وفي الأحوال ككونه في الشهر الحرام أو البلد الحرام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏واتقوا الله‏}‏ أمر بالاتقاء في الاعتداء أي بألا يتجاوز الحد، لأن شأن المنتقم أن يكون عن غضب فهو مظنة الإفراط‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏واعلموا أن الله مع المتقين‏}‏ افتتاح الكلام بكلمة اعلم إيذان بالاهتمام بما سيقوله، فإن قولك في الخطاب‏:‏ اعلم إنباء بأهمية ما سيلقى للمخاطب وسيأتي بسط الكلام فيه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه‏}‏ في سورة الأنفال ‏(‏24‏)‏، والمعية هنا مجاز في الإعانة بالنصر والوقاية، ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ واتقوا الله في حرماته في غير أحوال الاضطرار‏:‏ واعلموا أن الله مع المتقين فهو يجعلهم بمحل عنايته‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏195‏]‏

‏{‏وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏195‏)‏‏}‏

هذه الجملة معطوفة على جملة ‏{‏وقاتلوا في سبيل الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 190‏]‏ الخ فإنهم لما أمروا بقتال عدوهم وكان العدو أوفر منهم عدة حرب أيقظهم إلى الاستعداد بإنفاق الأموال في سبيل الله، فالمخاطبون بالأمر بالإنفاق جميع المسلمين لا خصوص المقاتلين‏.‏

ووجه الحاجة إلى هذا الأمر‏.‏ مع أن الاستعداد للحرب مركوز في الطباع تنبيه المسلمين فإنهم قد يقصرون في الإتيان على منتهى الاستعداد لعدو قوي، لأنهم قد ملئت قلوبهم إيماناً بالله وثقة به، وملئت أسماعهم بوعد الله إياهم النصر وأخيراً بقوله‏:‏ ‏{‏واعلموا أن الله مع المتقين‏}‏ نبهوا على أن تعهد الله لهم بالتأييد والنصر لا يسقط عنهم أخذ العدة المعروفة فلا يحسبوا أنهم غير مأمورين ببذل الوسع لوسائل النصر التي هي أسباب ناط الله تعالى بها مسبباتها على حسب الحكمة التي اقتضاها النظام الذي سنه الله في الأسباب ومسبباتها، فتطلب المسببات دون أسبابها غلط وسوء أدب مع خالق الأسباب ومسبباتها كي لا يكونوا كالذين قالوا لموسى ‏{‏فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 24‏]‏ فالمسلمون إذا بذلوا وسعهم، ولم يفرطوا في شيء ثم ارتبكوا في أمر بعد ذلك فالله ناصرهم، ومؤيدهم فيما لا قبل لهم بتحصيله ولقد نصرهم الله ببدر هم أذلة، إذ هم يؤمئذٍ جملة المسلمين وإذ لم يقصروا في شيء، فأما أقوام يتلفون أموال المسلمين في شهواتهم، ويفيتون الفرص وقت الأمن فلا يستعدون لشيء ثم يطلبون بعد ذلك من الله النصر والظفر فأولئك قوم مغرورون، ولذلك يسلط الله عليهم أعداءهم بتفريطهم، ولعله يتداركهم في خلال ذلك بلطفه فيما يرجع إلى استبقاء الدين‏.‏

والإنفاق تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومما رزقناهم ينفقون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 3‏]‏‏.‏

و ‏(‏سبيل الله‏)‏ طريقه، والطريق إذا أضيف إلى شيء فإنما يضاف إلى ما يوصل إليه، ولما علم أن الله لا يصل إليه الناس تعيَّن أن يكون المراد من الطريق العمل الموصل إلى مرضاة الله وثوابه، فهو مجاز في اللفظ ومجاز في الإسناد، وقد غلب ‏(‏سبيل الله‏)‏ في اصطلاح الشرع في الجهاد‏.‏ أي القتال للذب عن دينه وإعلاء كلمته، و‏(‏في‏)‏ للظرفية لأن النفقة تكون بإعطاء العَتاد، والخيل، والزاد، وكل ذلك مظروف للجهاد على وجه المجاز وليست ‏(‏في‏)‏ هنا مستعملة للتعليل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏}‏ عطف غرض على غرض، عُقِّب الأمر بالإنفاق في سبيل الله بالنهي عن الأعمال التي لها عواقب ضارة إبلاغاً للنصيحة والإرشاد لئلا يدفع بهم يقينهم بتأييد الله إياهم إلى التفريط في وسائل الحذر من غلبَة العدو، فالنهي عن الإلقاء بالنفوس إلى التهلكة يجمع معنى الأمر بالإنفاق وغيره من تصاريف الحرب وحفظ النفوس، ولذلك فالجملة فيها معنى التذييل وإنما عطفت ولم تفصل باعتبار أنها غرض آخر من أغراض الإرشاد‏.‏

والإلقاء رمي الشيء من اليد وهو يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإلى المرمى إليه بإلى وإلى المرمى فيه بفي‏.‏

والظاهر أن الأيدي هي المفعول إذ لم يذكر غيره، وأن الباء زائدة لتوكيد اتصال الفِعل بالمفعول كما قالوا للمنقاد «أَعطى بيده» أي أعطى يده لأن المستسلم في الحرب ونحوه يُشَد بيده، فزيادة الباء كزيادتها في ‏{‏وهُزى إليك بجِذْع النخلة‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 25‏]‏ وقول النابغة

لَك الخَيْرُ إِنْ وارتْ بك الأرضُ وَاحِدا ***

والمعنى ولا تعطوا الهلاكَ أيديَكم فيأخذكم أخذ الموثَققِ، وجل التهلكة كالآخِذِ والآسِرِ استعارة بجامع الإحاطة بالملقى، ويجوز أن تُجعل اليد مع هذا مجازاً عن الذات بعلاقة البعضية لأن اليد أَهم شيء في النفس في هذا المعنى، وهذا في الأمرين كقول لبيد‏:‏

حَتَّى إذَا أَلْقَتْ يَداً في كَافِرٍ

أي ألقت الشمس نفسها‏.‏ وقيل الباء سببية والأيدي مستعملة في معنى الذات كناية عن الاختيار والمفعول محذوف أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة باختياركم‏.‏

والتهلكة بضم اللام اسم مصدر بمعنى الهلاك، وإنما كان اسم مصدر لأنه لم يعهد في المصادر وزن التَّفْعلة بضم العين وإنما في المصادر التفعلة بكسر العين لكِنَّه مصدرُ مضاعففِ العين المعتل اللام كزكَّى وغطَّى، أو المهموز اللام كَجزَّأَ وهيأ، وحكى سيبويه له نظيرين في المشتقات التَّضُرَّة والتَّسُرَّة بضم العين من أضر وأَسر بمعنى الضُّر والسُّرور، وفي الأسماء الجامدة التَّنْضُبة والتَّتْفُلة ‏(‏الأول اسم شجر، والثاني ولَدُ الثعلب‏)‏‏.‏

وفي «تاج العروس» أن الخليل قرأها ‏(‏التهلِكة‏)‏ بكسر اللام ولا أحسب الخليل قرأ كذلك؛ فإن هذا لم يرو عن أحد من القراء في المشهور ولا الشاذ فإن صح هذا النقل فلعل الخليل نطق به على وجه المثال فلم يضبط من رواه عنه حق الضبط، فإن الخليل أجل من أن يقرأ القرآن بحرف غير مأثور‏.‏

ومعنى النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة النهي عن التسبب في إتلاف النفس أو القوممِ عن تحقق الهلاك بدون أن يجتنَى منه المقصودُ‏.‏

وعُطِف على الأمر بالإنفاق للإشارة إلى علة مشروعية الإنفاق وإلى سبب الْامر به فإنَّ ترك الإنفاق في سبيل الله والخروجَ بدون عُدة إلقاءٌ باليد للهلاك كما قيل‏:‏

كساععٍ إلى الهَيْجَا بغير سِلاَح ***

فلذلك وجب الإنفاق، ولأن اعتقاد كفاية الإيمان بالله ونصر دينه في هزم الأعداء اعتقادٌ غير صحيح، لأنه كالذي يلقي بنفسه للهلاك ويقول سينجيني الله تعالى، فهذا النهي قد أفاد المعنيين جميعاً وهذا من أبدع الإيجاز‏.‏

وفي البخاري عن ابن عباس وجماعة من التابعين في معنى ‏{‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏}‏ لا تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العَيْلة وإن لم إلاَّ يكز سهم أو مشقص فأْتتِ به‏.‏

وقد قيل في تفسير ‏{‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏}‏ أقوال‏:‏

الأول أَنَّ ‏{‏أنفقوا‏}‏ أمرٌ بالنفقة على العيال، والتهلكة‏:‏ الإسراف فيها أو البخل الشديد رواه البخاري عن حذيفة، ويبعده قوله ‏{‏في سبيل الله‏}‏ وأن إطلاق التهلكة على السرف بعيد وعلى البخل أبعد‏.‏

الثاني أنها النفقة على الفقراء أي الصدقة والتهلكة الإمساك وببعده عدم مناسبة العطف وإطلاق التهلكة على الإمساك‏.‏

الثالث الإنفاق في الجهاد، والإلقاء إلى التهلكة الخروج بغير زاد‏.‏

الرابع الإلقاء باليد إلى التهلكة‏:‏ الاستسلام في الحرب أي لا تستسلموا للأسر‏.‏

الخامس أنه الاشتغال عن الجهاد وعن الإنفاق فيه بإصلاح أموالهم‏.‏

روى الترمذي عن أسلم أبي عمران قال‏:‏ كنا بمدينة الروم ‏(‏القسطنطينية‏)‏ فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم فحمل رجل من المسلمين على صف للروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا‏:‏ سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال‏:‏ يا أيها الناس إنكم تتأوّلون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت فينا معاشر الأنصار لما أعزّ الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله‏:‏ إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا‏:‏ ‏{‏وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏}‏ فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو اه، والآية تتحمل جميع المعاني المقبولة‏.‏

ووقوع فعل ‏{‏تلقوا‏}‏ في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد للتهلكة أي كل تسبب في الهلاك عن عمد فيكون منهياً عنه محرماً ما لم يوجد مقتض لإزالة ذلك التحريم وهو ما يكون حفظه مقدماً على حفظ النفس مع تحقق حصول حفظه بسبب الإلقاء بالنفس إلى الهلاك أو حفظ بعضه بسبب ذلك‏.‏ فالتفريط في الاستعداد للجهاد حرام لا محالة لأنه إلقاء باليد إلى التهلكة، وإلقاء بالأمة والدين إليها بإتلاف نفوس المسلمين‏.‏

وقد اختلف العلماء في مثل هذا الخبر الذي رواه الترمذي عن أبي أيوب وهو اقتحام الرجل الواحد على صف العدو فقال القاسم بن محمد ‏(‏من التابعين‏)‏ وعبد الملك بن الماجشون وابن خويز منداد ‏(‏من المالكية‏)‏ ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة‏:‏ لا بأس بذلك إذا كان فيه قوة وكان بنية خالصة لله تعالى وطمع في نجاة أو في نكاية العدو أو قصد تجرئة المسلمين عليهم، وقد وقع ذلك من بعض المسلمين يوم أحد بمرأى النبي صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن كذلك كان من الإلقاء إلى التهلكة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأحسنوا‏}‏ الإحسان فعل النافع الملائم، فإذا فعل فعلاً نافعاً مؤلماً لا يكون محسناً فلا تقول إذا ضربت رجلاً تأديباً‏:‏ أحسنت إليه ولا إذا جاريته في ملذات مضرة أَحسنت إليه، وكذا إذا فعل فعلاً مضراً ملائماً لا يسمى محسناً‏.‏

وفي حذف متعلق ‏{‏أحسنوا‏}‏ تنبيه على أن الإحسان مطلوب في كل حال ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏"‏ إن الله كتب الإحسان على كل شيء ‏"‏‏.‏

وفي الأمر بالإحسان بعد ذكر الأمر بالاعتداء على المعتدي والإنفاق في سبيل الله والنهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة إشارة إلى أنّ كلّ هاته الأحوال يلابسها الإحسان ويحفّ بها، ففي الاعتداء يكون الإحسان بالوقوف عند الحدود والاقتصاد في الاعتداء والاقتناع بما يحصل به الصلاح المطلوب، وفي الجهاد في سبيل الله يكون الإحسان بالرفق بالأسير والمغلوب وبحفظ أموال المغلوبين وديارهم من التخريب والتحريق، والعرب تقول‏:‏ «ملكت فأسجح»، والحذر من الإلقاء باليد إلى التهلكة إحسان‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إن الله يحب المحسنين‏}‏ تذييل للترغيب في الإحسان، لأن محبة الله عبده غاية ما يطلبه الناس إذ محبة الله العبد سبب الصلاح والخير دنيا وآخرة، واللام للاستغراق العرفي والمراد المحسنون من المؤمنين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏196‏]‏

‏{‏وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏196‏)‏‏}‏

هذا عود إلى الكلام على العمرة فهو عطف على قوله‏:‏ ‏{‏وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استيسر مِنَ الهدى وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 189‏]‏ الخ وما بينهما استطراد أو اعتراض، على أن عطف الأحكام بعضها على بعض للمناسبة طريقة قرآنية فلك أن تجعل هذه الجملة عطفاً على التي قبلها عطف قصة على قصة‏.‏

ولا خلاف في أنّ هذه الآية نزلت في الحديبية سنة ست حين صد المشركون المسلمين عن البيت كما سيأتي في حديث كعب بن عجرة، وقد كانوا ناوين العمرة وذلك قبل أن يفرض الحج، فالمقصود من الكلام هو العمرة؛ وإنما ذكر الحج على وجه الإدماج تبشيراً بأنهم سيتمكنون من الحج فيما بعد، وهذا من معجزات القرآن‏.‏

والإتمام إكمال الشيء والإتيان على بقايا ما بقي منه حتى يستوعب جميعه‏.‏

ومثل هذا الأمر المتعلق بوصف فعل يقع في كلامهم على وجهين‏:‏ أحدهما وهو الأكثر أن يكون المطلوب تحصيل وصف خاص للفعل المتعلق به الوصف كالإتمام في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأتموا الحج‏}‏ أي كملوه إن شرعتم فيه، وكذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم أتموا الصيام إلى الليل‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 187‏]‏ على ما اخترناه وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأتموا إليهم عهدهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 4‏]‏ ومثله أن تقول‏:‏ أسرع السير للذي يسير سيراً بطيئاً، وثانيهما أن يجيء الأمر بوصف الفعل مراداً به تحصيل الفعل من أول وهلة على تلك الصفة نظير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولأتم نعمتي عليكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 150‏]‏، وذلك كقولك‏:‏ أسرع السير فادع لي فلاناً تخاطب به مخاطباً لم يشرع في السير بعد، فأنت تأمره بإحداث سير سريع من أول وهلة، ونظيره قولهم‏:‏ «وَسِّع فمَ الركِية، وقولهم‏:‏ وسع كم الجُبة وضيق جيبها» أي أوجدها كذلك من أول الأمر، وهذا ضرب من ضروب التعبير ليس بكناية ولا مجاز، ولكنه أمر بمجموع شيئين وهو أقل؛ لأن الشأن أن يكون المطلوب بصيغة الأمر ابتداء هو الحدث الذي منه مادة تلك الصيغة‏.‏

والآية تحتمل الاستعمالين، فإن كان الأول فهي أمر بإكمال الحج والعمرة، بمعنى ألا يكون حجاً وعمرة مشوبين بشغب وفتنة واضطراب أو هي أمر بإكمالهما وعدم الرجوع عنهما بعد الإهلال بهما ولا يصدهم عنهما شنآن العدو، وإن كان الثاني فهي أمر بالإتيان بهما تامين أي مستكملين ما شرع فيهما‏.‏

والمعنى الأول أظهر وأنسب بالآيات التي قبلها، وكأنَّ هذا التحريض مشير إلى أن المقصود الأهم من الحج والعمرة هنا هما الصَّرورة في الحج وكذا في العمرة على القول بوجوبها‏.‏

واللام في ‏(‏الحج والعمرة‏)‏ لتعريف الجنس، وهما عبادتان مشهورتان عند المخاطبين متميزتان عن بقية الأجناس، فالحج هو زيارة الكعبة في موسم معين في وقت واحد، للجماعة وفيه وقوف عرفة، والعمرة زيارة الكعبة في غير موسم معين وهي لكل فرد بخصوصه‏.‏

وأصل الحج في اللغة بفتح الحاء وكسرها تكرر القصد إلى الشيء أو كثرة قاصديه‏.‏ وعن ابن السكيت‏:‏ الحج كثرة الاختلاف والتردد يقال حج بنو فلان فلاناً أطالوا الاختلاف إليه وفي «الأساس»‏:‏ فلان تحجه الرفاق أي تقصده اه‏.‏ فجعله مفيداً بقصد من جماعة كقول المخبل السعدي واسمه الربيع‏:‏

وأَشْهَدُ من عَوْففٍ حُلولاً كثِيرةً *** يَحُجُّون سِبَّ الزّبْرَقَاننِ المزعفرا

والحج من أشهر العبادات عند العرب وهو مما ورثوه عن شريعة إبراهيم عليه السلام كما حكى الله ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وأذن في الناس بالحج‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 27‏]‏ الآية حتى قيل‏:‏ إن العرب هم أقدم أمة عرفت عندها عادة الحج، وهم يعتقدون أن زيارة الكعبة سعي لله تعالى قال النابغة يصف الحجيج ورواحلهم‏:‏

عَلَيْهِنَّ شُعْثٌ عامدونَ لرَبِّهمِ *** فهن كأطراف الحَنيِّ خَوَاشِع

وكانوا يتجردون عند الإحرام من مخيط الثياب ولا يمسون الطيب ولا يقربون النساء ولا يصطادون، وكان الحج طوافاً بالبيت وسعياً بين الصفا والمروة ووقوفاً بعرفة ونحراً بمنى‏.‏ وربما كان بعض العرب لا يأكل مدة الحج أقطاً ولا سمناً أي لأنه أكل المترفهين ولا يستظل بسقف، ومنهم من يحج متجرداً من الثياب، ومنهم من لا يستظل من الشمس، ومنهم من يحج صامتاً لا يتكلم، ولا يشربون الخمر في أشهر الحج، ولهم في الحج مناسك وأحكام ذكرناها في «تاريخ العرب»‏.‏

وكان للأمم المعاصرة للعرب حجوج كثيرة، وأشهر الأمم في ذلك اليهود فقد كانوا يحجون إلى الموضع الذي فيه تابوت العهد أي إلى هيكل ‏(‏أورشليم‏)‏ وهو المسجد الأقصى ثلاث مرات في السنة ليذبحوا هناك فإن القرابين لا تصح إلاّ هناك ومن هذه المرات مرة في عيد الفصح‏.‏

واتخذت النصارى زيارات كثيرة، حجاً، أشهرها زياراتهم لمنازل ولادة عيسى عليه السلام وزيارة ‏(‏أورشليم‏)‏، وكذا زيارة قبر ‏(‏ماربولس‏)‏ وقبر ‏(‏ماربطرْس‏)‏ برومة، ومن حج النصارى الذي لا يعرفه كثير من الناس وهو أقدم حجهم أنهم كانوا قبل الإسلام يحجون إلى مدينة ‏(‏عسقلان‏)‏ من بلاد السواحل الشامية، والمظنون أن الذين ابتدعوا حجها هم نصارى الشام من الغساسنة لقصد صرف الناس عن زيارة الكعبة وقد ذكره سحيم عبدُ بني الحسحاس وهو من المخضرمين في قوله يصف وحوشاً جرفها السيل‏:‏

كأَنَّ الوُحُوشَ به عَسقَلاَ *** نُ صادفْنَ في قَرْن حَجِّ ذِيَافا

أي أصابهن سم فقتلهن وقد ذكر ذلك أئمة اللغة‏.‏

وقد كان للمصريين والكلدان حج إلى البلدان المقدسة عندهم، ولليونان زيارات كثيرة لمواقع مقدسة مثل أولمبيا وهيكل ‏(‏زفس‏)‏ وللهنود حجوج كثيرة‏.‏

والمقصود من هذه الآية إتمام العمرة التي خرجوا لقضائها، وذِكُر الحج معها إدماج، لأن الحج لم يكن قد وجب يومئذٍ، إذ كان الحج بيد المشركين ففي ذكره بشارة بأنه يوشك أن يصير في قبضة المسلمين‏.‏

وأما العمرة فهي مشتقة من التعمير وهو شغل المكان ضد الإخلاء ولكنها بهذا الوزن لا تطلق إلاّ على زيارة الكعبة في غير أشهر الحج، وهي معروفة عند العرب وكانوا يجعلون ميقاتها ما عدا أشهر ذي الحجة والمحرم وصفر، فكانوا يقولون ‏"‏ إذا برئ الدبر، وعفا الأثر، وخرج صفر، حلت العمرة لمن اعتمر ‏"‏ ولعلهم جعلوا ذلك لتكون العمرة بعد الرجوع من الحج وإراحة الرواحل‏.‏

واصطلح المضَريُّون على جعل رجب هو شهر العمرة ولذلك حرمته مضر فلقب برجب مضر، وتبعهم بقية العرب، ليكون المسافر للعمرة آمناً من عدوه؛ ولذلك لقبوا رجباً ‏(‏منصل الأسنة‏)‏ ويرون العمرة في أشهر الحج فجوراً‏.‏

وقوله ‏{‏لله‏}‏ أي لأجل الله وعبادته والعرب من عهد الجاهلية لا ينوون الحج إلاّ لله ولا العمرة إلاّ له، لأن الكعبة بيت الله وحرمه، فالتقييد هنا بقوله ‏{‏لله‏}‏ تلويح إلى أن الحج والعمرة ليسا لأجل المشركين وإن كان لهم فيهما منفعة وكانوا هم سدنة الحرم، وهم الذين منعوا المسلمين منه، كي لا يسأم المسلمون من الحج الذي لاقوا فيه أذى المشركين، فقيل لهم إن ذلك لا يصد عن الرغبة في الحج والعمرة لأنكم إنما تحجون لله لا لأجل المشركين ولأن الشيء الصالح المرغوب فيه إذا حف به ما يكدره لا ينبغي أن يكون ذلك صارفاً عنه، بل يجب إزالة ذلك العارض عنه، ومن طرق إزالته القتال المشار إليه بالآيات السابقة‏.‏

ويجوز أن يكون التقييد بقوله‏:‏ ‏{‏لله‏}‏ لتجريد النية مما كان يخامر نوايا الناس في الجاهلية من التقرب إلى الأصنام، فإن المشركين لما وضعوا هبلاً على الكعبة ووضعوا إسافاً ونائلة على الصفا والمروة قد أشركوا بطوافهم وسعيهم الأصنام مع الله تعالى‏.‏ وقد يكون القصد من هذا التقييد كلتا الفائدتين‏.‏

وليس في الآية حجة عند مالك وأبي حنيفة رحمهما الله على وجوب الحج ولا العمرة ولكن دليل حكم الحج والعمرة عندهما غير هذه الآية، وعليه فمجمل الآية عندهما على وجوب هاتين العبادتين لمن أحرم لهما، فأما مالك فقد عدهما من العبادات التي تجب بالشروع فيها وهي سبع عبادات عندنا هي الصلاة، والصيام، والاعتكاف، والحج، والعمرة، والطواف، والائتمام، وأما أبو حنيفة فقد أوجب النوافل كلها بالشروع‏.‏

ومن لم ير وجوب النوافل بالشروع ولم ير العمرة واجبة يجعل حكم إتمامها كحكم أصلْ الشروع فيها ويكون الأمر بالإتمام في الآية مستعملاً في القدر المشترك من الطلب اعتماداً على القرائن، ومن هؤلاء من قرأ، ‏(‏والعمرةُ‏)‏ بالرفع حتى لا تكون فيما شمله الأمر بالإتمام بناء على أن الأمر للوجوب فيختص بالحج‏.‏

وجعلها الشافعية دليلاً على وجوب العمرة كالحج، ووجه الاستدلال له أن الله أمر بإتمامها فإما أن يكون الأمر بالإتمام مراداً به الإتيان بهما تامين أي مستجمعي الشرائط والأركان، فالمراد بالإتمام المعنى الشرعي على أحد الاستعمالين السابقين، قالوا‏:‏ إذ ليس هنا كلام على الشروع حتى يؤمر بالإتمام، ولأنه معضود بقراءة «وأقيموا الحج» وإما أن يكون المراد بالإتمام هنا الإتيان على آخر العبادة فهو يستلزم الأمر بالشروع، لأن الإتمام يتوقف على الشروع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فيكون الأمر بالإتمام كناية عن الأمر بالفعل‏.‏

والحق أن حمل الأمر في ذلك بأصل الماهية لا بصفتها استعمال قليل كما عرفت، وقراءة‏:‏ «وأقيموا» لشذوذها لا تكون داعياً للتأويل، ولا تتنزل منزلة خبر الآحاد، إذا لم يصح سندها إلى من نسبت إليه وأما على الاحتمال الأول فلأن التكني بالإتمام عن إيجاب الفعل مصير إلى خلال الظاهر مع أن اللفظ صالح للحمل على الظاهر؛ بأن يدل على معنى‏:‏ إذا شرعتم فأتموا الحج والعمرة، فيكون من دلالة الاقتضاء ويكون حقيقة وإيجازاً بديعاً، وهو الذي يؤذن به السياق كما قدمنا، لأنهم كانوا نووا العمرة، على أن شأن إيجاب الوسيلة بإيجاب المتوسل إليه أن يكون المنصوص على وجوبه هو المقصد فكيف يدعي الشافعية أن ‏{‏أتموا‏}‏ هنا مراد منه إيجاب الشروع، لأن ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب كما أشار له العصام‏.‏

فالحق أن الآية ليست دليلاً لحكم العمرة‏.‏ وقد اختلف العلماء في حكمها‏:‏ فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها سنة قال مالك‏:‏ لا أعلم أحداً رخص في تركها وهذا هو مذهب جابر ابن عبد الله وابن مسعود من الصحابة والنخعي من التابعين‏.‏

وذهب الشافعي وأحمد وابن الجهم من المالكية إلى وجوبهما، وبه قال عمر وابن عمر وابن عباس من الصحابة وعطاء، وطاووس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي وسعيد بن جبير، وأبو بردة، ومسروق، وإسحاق بن راهويه‏.‏

ودليلنا حديث جابر بن عبد الله، ‏"‏ قيل‏:‏ يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج فقال‏:‏ لا، وأن تعتمروا فهو أفضل ‏"‏ أخرجه الترمذي، لأن عبادة مثل هذه لو كانت واجبة لأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ولا يثبت وجوبها بتلفيقات ضعيفة، وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يقول‏:‏ لولا التحرج وأني لم أسمع من رسول الله في ذلك شيئاً لقلت‏:‏ العمرة واجبة اه محل الاحتجاج قوله‏:‏ لم أسمع الخ، ولأن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏ولله على الناس حج البيت‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 97‏]‏ ولم يذكر العمرة، ولأنه لا يكون عبادتان واجبتان هما من نوع واحد‏.‏ ولأن شأن العبادة الواجبة أن تكون مؤقتة‏.‏

واحتج أصحابنا أيضاً بحديث‏:‏ ‏"‏ بني الإسلام على خمس ‏"‏ وحديث جبريل في الإيمان والإسلام ولم يذكر فيهما العمرة، وحديث الأعرابي الذي قال‏:‏

‏"‏ لا أزيد ولا أنقص‏:‏ فقال‏:‏ أفلح إن صدق ‏"‏ ولم يذكر العمرة ولم يحتج الشافعية بأكثر من هذه الآية، إذ قرنت فيها مع الحج، وبقول بعض الصحابة وبالإحتياط‏.‏

واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على منع التمتع وهو الإحرام بعمرة ثم الحل منها في مدة الحج ثم الحج في عامه ذلك قبل الرجوع إلى بلده، ففي البخاري أخرج حديث أبي موسى الأشعري قال‏:‏ ‏"‏ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم باليمن فجئتُ وهو بالبطحاء ‏(‏عام حجة الوداع‏)‏ فقال‏:‏ بم أهللت‏؟‏ فقلت‏:‏ أهللت كإهلال النبي قال‏:‏ أحسنت هل معك من هدى قلت‏:‏ لا، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني أو غسلت رأسي، ثم أهللت بالحج فكنت أفتي الناس به حتى خلافة عمر فذكرته له فقال‏:‏ أن نأخذ بكتاب الله، فإنه يأمرنا بالتمام، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأتموا الحج والعمرة لله‏}‏ وأن نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله ‏"‏ يريد عمر والله أعلم أن أبا موسى أهل بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم والنبي كان مهلاً بحجة وعمرة معاً فهو قارن والقارن متلبس بحج، فلا يجوز أن يحل في أثناء حجه وتمسك بفعل الرسول عليه السلام أنه كان قارناً ولمن يحل، وهذا مبني على عدم تخصيص المتواتر بالآحاد كما هو قوله في حديث فاطمة ابنة قيس في النفقة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى‏}‏ عطف على ‏{‏أتموا‏}‏، والفاء للتفريع الذكري فإنه لما أمر بإتمام الحج والعمرة ذكر حكم ما يمنع من ذلك الإتمام‏.‏

ولا سيما الحج؛ لأن وقته يفوت غالباً بعد ارتفاع المانع، بخلاف العمرة‏.‏ والإحصار في كلام العرب منع الذات من فعل ما، يقال‏:‏ أحصره منعه مانع قال تعالى‏:‏ ‏{‏للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 273‏]‏ أي منعهم الفقر من السفر للجهاد وقال ابن ميادة‏:‏

وما هَجرُ ليلى أَن تكون تباعدتْ *** عليك ولا أنْ أحْصَرَتْكَ شغول

وهو فعل مهموز لم تكسبه همزته تعدية، لأنه مرادف حصره ونظيرهما صده وأصده‏.‏ هذا قول المحققين من أئمة اللغة، ولكن كثر استعمال أحصر المهموز في المنع الحاصل من غير العدو، وكثر استعمال حصر المجرد في المنع من العدو، قال‏:‏ ‏{‏وخذوهم واحصروهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏ فهو حقيقة في المعنيين ولكن الاستعمال غلب أحدهما في أحدهما كما قال الزمخشري في «الكشاف»، ومن اللغويين من قال‏:‏ أحصر حقيقة في منع غير العدو وحصر حقيقة في منع العدو وهو قول الكسائي وأبي عبيدة والزجاج، ومن اللغويين من عكس وهو ابن فارس لكنه شاذ جداً‏.‏

وجاء الشرط بحرف ‏(‏إن‏)‏ لأن مضمون الشرط كريه لهم فألقى إليهم الكلام إلقاء الخبر الذي يشك في وقوعه، والمقصود إشعارهم بأن المشركين سيمنعونهم من العمرة‏.‏

وقد اختلف الفقهاء في المراد من الإحصار في هذه الآية على نحو الاختلاف في الوضع أو في الاستعمال والأظهر عندي أن الإحصار هنا أطلق على ما يعم المنع من عدو أو من غيره بقرينة قوله تعالى عقبه‏:‏ ‏{‏فإذا أمنتم‏}‏ فإنه ظاهر قوي في أن المراد منه الأمن من خوف العدو، وأن هذا التعميم فيه قضاء حق الإيجاز في جمع أحكام الإحصار ثم تفريقها كما سأبينه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا أمنتم‏}‏، وكأنَّ هذا هو الذي يراه مالك رحمه الله، ولذلك لم يحتج في «الموطأ» على حكم الإحصار بغير عدو بهذه الآية، وإنما احتج بالسنة‏.‏ وقال جمهور أصحابه أريد بها المنع الحاصل من مرض ونحوه دون منع العدو، بناء على أن إطلاق الإحصار على هذا المنع هو الأكثر في اللغة‏.‏ ولأن هذه الآية جعلت على المُحْصَر هدياً ولم ترد السنة بمشروعية الهدي فيمن حصره العدو أي مشروعية الهدي لأجل الإحصار أما من ساق معه الهدي فعليه نسكه لا لأجل الإحصار، ولذلك قال مالك بوجوب الهدي على من أحصر بمرض أو نفاس أو كَسْر من كل ما يمنعه أن يقف الموقف مع الناس مع وجوب الطواف والسعي عند زوال المانع ووجوب القضاء من قابل لما في «الموطأ» من حديث معبد بن حزابة المخزومي أنه صرع ببعض طريق مكة وهو محرم فسأل ابنَ عمر وابنَ الزبير ومروانَ بنَ الحَكَم فكلهم أمره أن يتداوى ويفتدي، فإذا أصح اعتمر، فحل من إحرامه ثم عليه حج قابل، وأن عمر بن الخطاب أمر بذلك أبا أيوب وهَبَّار بن الأسود حين فاتهما وقوف عرفة، بخلاف حصار العدو، واحتج في «الموطأ» بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحداً من أصحابه ولا من كان معه أن يقضوا شيئاً ولا أن يعودوا لشيء، ووجَّه أصحابنا ذلك بالتفرقة؛ لأن المانع في المرض ونحوه من ذات الحاج؛ فلذلك كان مطالبَاً بالإتمام، وأما في إحصار العدو فالمانع خارجي، والأظهر في الاستدلال أن الآية وإن صلحت لكل منع لكنها في منع غير العدو أظهر وقد تأيدت أظهريتها بالسنة‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ لا قضاء فيهما وهو ظاهر الآية للاقتصار على الهدي وهو اقتصار على مفهوم الآية ومخالفة ما ثبت بالسنة، وقال أبو حنيفة‏:‏ كل منع من عدُو أو مرض فيه وجوب القضاء والهدي ولا يجب عليه طواف ولا سَعْي بعد زوال عذره بل إن نحر هديه حل والقضاء عليه‏.‏ ولا يلزمه ما يقتضيه حديث الحديبية؛ لأن الآية إن كانت نزلت بعده فعمومها نسخ خصوص الحديث، وإن نزلت قبله فهو آحاد لا يخصص القرآن عنده، على أن حديث الحديبية متواتر؛ لأن الذين شهدوا النبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ يزيدون على عدد التواتر، ولم ينقل عنهم ذلك مع أنه مما تتوافر الدواعي على نقله‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ المراد هنا منع العدو بقرينة قوله ‏{‏فإذا أمنتم‏}‏ ولأنها نزلت في عام الحديبية وهو إحصار عدوّ؛ ولذلك أوجب الهدي على المحصر أما محصر العدوّ فبنصّ الآية، وأما غيره فبالقياس عليه‏.‏ وعليه‏:‏ إن زال عذره فعليه الطواف بالبيت والسعي، ولم يقل بوجوب القضاء عليه؛ إذ ليس في الآية ولا في الحديث‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فما استيسر من الهدى‏}‏ جواب الشرط وهو مشتمل على أحد ركني الإسناد وهو المسند إليه دون المسند فلا بد من تقدير دل عليه قوله‏:‏ ‏{‏من الهدي‏}‏ وقدره في «الكشاف» فعليكم، والأظهر أن يقدر فعل أمر أي فاهدوا ما استيسر من الهدي، وكلا التقديرين دال على وجوب الهدي‏.‏ ووجوبه في الحج ظاهر وفي العمرة كذلك؛ بأنها مما يجب إتمامه بعد الإحرام باتفاق الجمهور‏.‏

و ‏(‏استيسر‏)‏ هنا بمعنى يسر فالسين والتاء للتأكيد كاستعصب عليه بمعنى صعب أي ما أمكن من الهدي بإمكان تحصيله وإمكان توجيهه، فاستيسر هنا مراد جميع وجوه التيسر‏.‏

والهدي اسم الحيوان المتقرب به لله في الحج فهو فَعْل من أهدى، وقيل هو جمع هدية كما جمعت جدية السرج على جدي ‏(‏‏)‏، فإن كان اسماً فمن بيانية، وإن كان جمعاً فمن تبعيضية، وأقل ما هو معروف عندهم من الهدي الغنم، ولذلك لم يبينه الله تعالى هنا، وهذا الهدي إن كان قد ساقه قاصد الحج والعمرة معه ثم أحصر فالبعث به إن أمكن واجب، وإن لم يكن ساقه معه فعليه توجيهه على الخلاف في حكمه من وجوبه وعدمه، والمقصود من هذا تحصيل بعض مصالح الحج بقدر الإمكان، فإذا فاتت المناسك لا يفوت ما ينفع فقراء مكة ومن حولها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تحلقوا رؤوسكم‏}‏ الآية بيان لملازمة حالة الإحرام حتى ينحر الهدي، وإنما خص النهي عن الحلق دون غيره من منافيات الإحرام كالطيب تمهيداً لقوله‏:‏ ‏{‏فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه‏}‏ ويعلم استمرار حكم الإحرام في البقية بدلالة القياس والسياق وهذا من مستتبعات التراكيب وليس بكناية عن الإحلال لعدم وضوح الملازمة‏.‏ والمقصود من هذا تحصيل بعض ما أمكن من أحوال المناسك وهو استبقاء الشعث المقصود في المناسك‏.‏

والمحل بفتح الميم وكسر الحاء مكان الحلول أو زمانه يقال‏:‏ حل بالمكان يحل بكسر الحاء وهو مقام الشيء والمراد به هنا مبلغه وهو ذبحه للفقراء، وقيل محله‏:‏ هو محل ذبح الهدايا وهو منى والأول قول مالك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه‏}‏ الآية، المراد مرض يقتضي الحلق سواء كان المرض بالجسد أم بالرأس، وقوله‏:‏ ‏{‏أو به أذى من رأسه‏}‏ كناية عن الوسخ الشديد والقمل، لكراهية التصريح بالقمل‏.‏ وكلمة ‏(‏من‏)‏ للابتداء أي أذى ناشئ عن رأسه‏.‏

وفي البخاري عن كعب بن عجرة قال‏:‏ «حملت إلى النبي والقمل يتناثر على وجهي، فقال ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك هذا، أما تجد شاة‏؟‏ قلت‏:‏ لا، قال‏:‏ صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك، فنزلت هذه الآية فيَّ خاصة وهي لكم عامة اه» ومن لطائف القرآن ترك التصريح بما هو مرذول من الألفاظ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ففدية من صيام‏}‏ محذوف المسند إليه لظهوره أي عليه، والمعنى فليحلق رأسه وعليه فدية، وقرينة المحذوف قوله‏:‏ ‏{‏ولا تحلقوا رؤوسكم‏}‏ وقد أجمل الله الفدية ومقدارها وبينه حديث كعب بن عجرة‏.‏

والنسك بضمتين وبسكون السين مع تثليث النون العبادة ويطلق على الذبيحة المقصود منها التعبد وهو المراد هنا مشتق من نَسك كنصر وكرم إذا عبد وذبح لله وسمي العابد ناسكاً، وأغلب إطلاقه على الذبيحة المتقرب بها إلى معبود وفي الحديث‏:‏ «والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم» يعني الضحية‏.‏

الفاء للعطف على ‏{‏أحصرتم‏}‏ إن كان المراد من الأمن زوال الإحصار المتقدم، ولعلها نزلت بعد أن فرض الحج، لأن فيها ذكر التمتع وذكر صيام المتمتع إن لم يجد هدياً ثلاثة أيام في مدة الحج وسبعة إذا رجع إلى أفقه وذلك لا يكون إلاّ بعد تمكنهم من فعل الحج‏.‏ والفاء لمجرد التعقيب الذكري‏.‏

وجيء بإذا لأن فعل الشرط مرغوب فيه، والأمن ضد الخوف، وهو أيضاً السلامة من كل ما يخاف منه أمن كفرح أمناً، أماناً، وأمناً، وآمنة وإمناً بكسر الهمزة وهو قاصر بالنسبة إلى المأمون منه فيتعدى بمن تقول‏:‏ أمنت من العدو، ويتعدى إلى المأمون تقول‏:‏ أمنت فلاناً إذا جعلته آمناً منك، والأظهر أن الأمن ضد الخوف من العدو ما لم يصرح بمتعلقه وفي القرآن ‏{‏ثم أبلغه مأمنه‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 6‏]‏ فإن لم يذكر له متعلق نزل منزلة اللازم فدل على عدم الخوف من القتال وقد تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رب اجعل هذا بلداً آمناً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 126‏]‏‏.‏

وهذا دليل على أن المراد بالإحصار فيما تقدم ما يشمل منع العدو ولذلك قيل ‏(‏إذا أمنتم‏)‏ ويؤيده أن الآيات نزلت في شأن عمرة الحديبية كما تقدم فلا مفهوم للشرط هنا؛ لأنه خرج لأجل حادثة معينة، فالآية دلت على حكم العمرة، لأنها لا تكون إلاّ مع الأمن، وذلك أن المسلمين جاءوا في عام عمرة القضاء معتمرين وناوين إن مكنوا من الحج أن يحجوا، ويعلم حكم المريض ونحوه إذا زال عنه المانع بالقياس على حكم الخائف‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فمن تمنع‏}‏ جواب ‏(‏إذا‏)‏ والتقدير فإذا أمنتم بعد الإحصار وفاتكم وقت الحج وأمكنكم أن تعتمروا فاعتمروا وانتظروا الحج إلى عام قابل، واغتنموا خير العمرة فمن تمتع بالعمرة فعليه هدي عوضاً عن هدي الحج، فالظاهر أن صدر الآية أريد به الإحصار الذي لا يتمكن معه المحصر من حج ولا عمرة، وأن قوله ‏{‏فإذا آمنتم‏}‏ أريد به حصول الأمن مع إمكان الإتيان بعمرة وقد فات وقت الحج، أي أنه فاته الوقت ولم يفته مكان الحج، ويعلم أن من أمن وقد بقي ما يسعه بأن يحج عليه أن يحج‏.‏

ومعنى ‏{‏تمتع بالعمرة إلى الحج‏}‏ انتفع بالعمرة عاجلاً، والانتفاع بها إما بمعنى الانتفاع بثوابها، أو بسقوط وجوبها إن قيل إنها واجبة مع إسقاط السفر لها إذ هو قد أداها في سفر الحج، وإما بمعنى الانتفاع بالحل منها ثم إعادة الإحرام بالحج فانتفع بألا يبقى في كلفة الإحرام مدة طويلة، وهذا رخصة من الله تعالى، إذ أباح العمرة في مدة الحج بعد أن كان ذلك محظوراً في عهد الجاهلية إذ كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أعظم الفجور‏.‏

فالباء في قوله‏:‏ ‏{‏بالعمرة‏}‏ صلة فعل ‏{‏تمتع‏}‏، وقوله ‏{‏إلى الحج‏}‏ متعلق بمحذوف دل عليه معنى ‏(‏إلى‏)‏ تقديره متربصاً إلى وقت الحج أو بالغاً إلى وقت الحج أي أيامه وهي عشر ذي الحجة وقد فهم من كلمة ‏(‏إلى‏)‏ أن بين العمرة والحج زمناً لا يكون فيه المعتمر محرماً وهو الإحلال الذي بين العمرة والحج في التمتع والقران، فعليه ما استيسر من الهدي لأجل الإحلال الذي بين الإحرامين، وهذا حيث لم يهد وقت الإحصار فيما أراه والله أعلم‏.‏

والآية جاءت بلفظ التمتع على المعنى اللغوي أي الانتفاع وأشارت إلى ما سماه المسلمون بالتمتع وبالقران وهو من شرائع الإسلام التي أبطل بها شريعة الجاهلية، واسم التمتع يشملها لكنه خص التمتع بأن يحرم الحاج بعمرة في أشهر الحج ثم يحل منها ثم يحج من عامه ذلك قبل الرجوع إلى أفقه، وخص القران بأن يقرن الحج والعمرة في إهلال واحد ويبدأ في فعله بالعمرة ثم يحل منها ويجوز له أن يردف الحج على العمرة كل ذلك شرعه الله رخصة للناس، وإبطالاً لما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج، وفرض الله عليه الهدي جبراً لما كان يتجشمه من مشقة الرجوع إلى مكة لأداء العمرة كما كانوا في الجاهلية ولذلك سماه تمتعاً‏.‏

وقد اختلف السلف في التمتع وفي صفته فالجمهور على جوازه، وأنه يحل من عمرته التي أحرم بها في أشهر الحج ثم يحرم بعد ذلك في حجة في عامه ذلك، وكان عثمان بن عفان لا يرى التمتع وينهى عنه في خلافته، ولعله كان يتأول هذه الآية بمثل ما تأولها ابن الزبير كما يأتي قريباً، وخالفه علي وعمران بن حصين، وفي البخاري عن عمران بن حصين تمتعنا على عهد النبي ونزل القرآن ثم قال رجل من برأيه ما شاء ‏(‏يريد عثمان‏)‏، وكان عمر بن الخطاب لا يرى للقارن إذا أحرم بعمرة وبحجة معاً وتمم السعي بين الصفا والمروة أن يحل من إحرامه حتى يحل من إحرام حجه فقال له أبو موسى الأشعري إني جئت من اليمن فوجدت رسول الله بمكة محرماً ‏(‏أي عام الوداع‏)‏ فقال لي بم أهللت‏؟‏ قلت أهللت بإهلال كإهلال النبي فقال لي هل معك هدي قلت لا فأمرني فطفت وسعيت ثم أمرني فأحللت وغسلت رأسي ومشطتني امرأة من عبد القيس، فلما حدث أبو موسى عمر بهذا قال عمر‏:‏ «إن نأخذ بكتاب الله فهو يأمرنا بالإتمام وإن نأخذ بسنة رسوله فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله»، وجمهور الصحابة والفقهاء يخالفون رأي عمر ويأخذون بخبر أبي موسى؛ وبحديث علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

«لولا أن معي الهدي لأحللت» وقد ينسب بعض الناس إلى عمر أنه لا يرى جواز التمتع وهو وهم إنما رأى عمر لا يجوز الإحلال من العمرة في التمتع إلى أن يحل من الحج وذلك معنى قوله فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله، فلعله رأى الإحلال للمتلبس بنية الحج منافياً لنيته وهو ما عبر عنه بالإتمام ولعله كان لا يرى الآحاد مخصصاً للمتواتر من كتاب أو سنة لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم هنا متواتر، إذ قد شهده كثير من أصحابه ونقلوا حجه وأنه أهل بهما جميعاً‏.‏

نعم، كان أبو بكر وعمر يريان إفراد الحج أفضل من التمتع والقران وبه أخذ مالك روى عنه محمد بن الحسن أنه يرجح أحد الحديثين المتعارضين بعمل الشيخين، وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه يرى التمتع خاصاً بالمحصر إذا تمكن من الوصول إلى البيت بعد أن فاته وقوف عرفة فيجعل حجته عمرة ويحج في العام القابل، وتأول قوله تعالى ‏{‏إلى الحج‏}‏ أي إلى وقت الحج القابل والجمهور يقولون ‏{‏إلى الحج‏}‏ أي إلى أيام الحج‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام‏}‏ الآية عطفت على ‏{‏فمن تمتع‏}‏، لأن ‏{‏فمن تمتع‏}‏ مع جوابه وهو ‏{‏فما استيسر‏}‏ مقدر فيه معنى فمن تمتع واجداً الهدي فعطف عليه ‏{‏فمن لم يجد‏}‏‏.‏

وجعل الله الصيام بدلاً عن الهدى زيادة في الرخصة والرحمة ولذلك شرع الصوم مفرقاً فجعله عشرة أيام ثلاثة منها في أيام الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج‏.‏

فقوله‏:‏ ‏{‏في الحج‏}‏ أي في أشهره إن كان قد أمكنه الاعتمار قبل انقضاء مدة الحج، فإن لم يدرك الحج واعتمر فتلك صفة أخرى لا تعرض إليها في الآية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏تلك عشرة كاملة‏}‏ فذلكة الحساب أي جامعته فالحاسب إذا ذكر عددين فصاعداً قال عند إرادة جمع الأعداد فذلك أي المعدود كذا فصيغت لهذا القول صيغة نحت مثل بسمل إذا قال باسم الله وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلاّ بالله فحروف فذلكة متجمعة من حروف فذلك كما قال الأعشى‏:‏

ثلاثٌ بالغداة فهُنَّ حَسبي *** وستُّ حين يدْركني العِشاء

فذلك تسعة في اليوم رَيِّي *** وشُرْب المرء فوق الرَّيِّ داء

فلفظ فذلكة كلمة مولدة لم تسمع من كلام العرب غلب إطلاق اسم الفذلكة على خلاصة جمع الأعداد، وإن كان اللفظ المحكي جرى بغير كلمة «ذلك» كما نقول في قوله‏:‏ ‏{‏تلك عشرة كاملة‏}‏ إنها فذلكة مع كون الواقع في المحكي لفظ «تلك» لا لفظ ذلك ومثله قول الفرزدق‏:‏

ثلاث واثنتان فتلك خمس *** وسادسة تَميل إلى الشِّمام

‏(‏أي إلى الشم والتقبيل‏)‏

وفي وجه الحاجة إلى الفذلكة في الآية وجوه، فقيل هو مجرد توكيد كما تقول كتبت بيدي يعني أنه جاء على طريقة ما وقع في شعر الأعشى أي أنه جاء على أسلوب عربي ولا يفيد إلاّ تقرير الحكم في الذهن مرتين ولذلك قال صاحب «الكشاف» لما ذكر مثله كقول العرب علمان خير من علم‏.‏ وعن المبرد أنه تأكيد لدفع توهم أن يكون بقي شيء مما يجب صومه‏.‏

وقال الزجاج قد يتوهم متوهم أن المراد التخيير بين صوم ثلاثة أيام في الحج أو سبعة أيام إذا رجع إلى بلده بدلاً من الثلاثة أزيل ذلك بجلية المراد بقوله‏:‏ ‏{‏تلك عشرة‏}‏ وتبعه صاحب «الكشاف» فقال «الواو قد تجيء للإِباحة في نحو قولك‏:‏ جالس الحسن وابن سيرين ففذلكت نفياً لتوهم الإباحة اه» وهو يريد من الإباحة أنها للتخيير الذي يجوز معه الجمع ولا يتعين‏.‏

وفي كلا الكلامين حاجة إلى بيان منشأ توهم معنى التخيير فأقول‏:‏ إن هذا المعنى وإن كان خلاف الأصل في الواو حتى زعم ابن هشام أن الواو لا ترد له، وأن التخيير يستفاد من صيغة الأمر لا أنه قد يتوهم من حيث إن الله ذكر عددين في حالتين مختلفتين وجعل أقل العددين لأشق الحالتين وأكثرهما لأخفهما، فلا جرم طرأ توهم أن الله أوجب صوم ثلاثة أيام فقط وأن السبعة رخصة لمن أراد التخيير، فبين الله ما يدفع هذا التوهم، بل الإشارة إلى أن مراد الله تعالى إيجاب صوم عشرة أيام، وإنما تفريقها رخصة ورحمة منه سبحانه، فحصلت فائدة التنبيه على الرحمة الإلهية‏.‏

ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشرٍ فتم ميقات ربه أربعين ليلة‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 142‏]‏ إذ دل على أنه أراد من موسى عليه السلام مناجاة أربعين ليلة ولكنه أبلغها إليه موزعة تيسيراً‏.‏

وقد سئلت عن حكمة كون الأيام عشرة فأجبت بأنه لعله نشأ من جمع سبعة وثلاثة؛ لأنهما عددان مباركان، ولكن فائدة التوزيع ظاهرة، وحكمة كون التوزيع كان إلى عددين متفاوتين لا متساويين ظاهرة؛ لاختلاف حالة الاشتغال بالحج ففيها مشقة، وحالة الاستقرار بالمنزل‏.‏ وفائدة جعل بعض الصوم في مدة الحج جعل بعض العبادة عند سببها، وفائدة التوزيع إلى ثلاثة وسبعة أن كليهما عدد مبارك ضبطت بمثله الأعمال دينية وقضائية‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏{‏كاملة‏}‏ فيفيد التحريض على الإتيان بصيام الأيام كلها لا ينقص منها شيء، مع التنويه بذلك الصوم وأنه طريق كمال لصائمه، فالكمال مستعمل في حقيقته ومجازه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام‏}‏ إشارة إلى أقرب شيء في الكلام، وهو هدي التمتع أو بدله وهو الصيام، والمعنى أن الهدي على الغريب عن مكة كي لا يعيد السفر للعمرة فأما المكي فلم ينتفع بالاستغناء عن إعادة السفر فلذا لم يكن عليه هدي، وهذا قول مالك والشافعي والجمهور، فلذلك لم يكن عندهما على أهل مكة هدي في التمتع والقران، لأنهم لا مشقة عليهم في إعادة العمرة، وقال أبو حنيفة‏:‏ الإشارة إلى جميع ما يتضمنه الكلام السابق على اسم الإشارة وهو التمتع بالعمرة مع الحج ووجوب الهدي، فهو لا يرى التمتع والقران لأهل مكة وهو وجه من النظر‏.‏

وحاضرو المسجد الحرام هم أهل بلدة مكة وما جاورها، واختلف في تحديد ما جاورها فقال مالك‏:‏ ما اتصل بمكة ذلك من ذي طوى وهو على أميال قليلة من مكة‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ من كان من مكة على مسافة القصر ونسبه ابن حبيب إلى مالك وغلطه شيوخ المذهب‏.‏ وقال عطاء‏:‏ حاضرو المسجد الحرام أهل مكة وأهل عرفة، ومَر، وعُرنة، وضجنان، والرجيع، وقال الزهري‏:‏ أهل مكة ومن كان على مسافة يوم أو نحوه، وقال ابن زيد‏:‏ أهل مكة، وذي طوى، وفج، وما يلي ذلك‏.‏ وقال طاووس‏:‏ حاضرو المسجد الحرام كل من كان داخل الحرم، وقال أبو حنيفة‏:‏ هم من كانوا داخل المواقيت سواء كانوا مكيين أو غيرهم ساكني الحرم أو الحل‏.‏

وصاية بالتقوى بعد بيان الأحكام التي لا تخلو عن مشقة للتحذير من التهاون بها، فالأمر بالتقوى عام، وكون الحج من جملة ذلك هو من جملة العموم وهو أجدر أفراد العموم، لأن الكلام فيه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏واعلموا أن الله شديد العقاب‏}‏ افتتح بقوله‏:‏ ‏{‏واعلموا‏}‏ اهتماماً بالخبر فلم يقتصر بأن يقال‏:‏ ‏{‏واتقوا الله إن الله شديد العقاب‏}‏ فإنه لو اقتصر عليه لحصل العلم المطلوب، لأن العلم يحصل من الخبر، لكن لما أريد تحقيق الخبر افتتح بالأمر بالعلم، لأنه في معنى تحقيق الخبر، كأنه يقول‏:‏ لا تشكوا في ذلك، فأفاد مفاد إن، وتقدم آنفاً عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 194‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏197‏]‏

‏{‏الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ‏(‏197‏)‏‏}‏

استئناف ابتدائي للإِعلام بتفصيل مناسك الحج، والذي أراه أن هذه الآيات نزلت بعد نزول قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا‏}‏ في ‏[‏سورة آل عمران‏:‏ 97‏]‏ فإن تلك الآية نزلت بفرض الحج إجمالاً، وهذه الآية فيها بيان أعماله، وهو بيان مؤخر عن المبين، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة واقع غير مرة، فيظهر أن هذه الآية نزلت في سنة تسع، تهيئة لحج المسلمين مع أبي بكر الصديق‏.‏

وبين نزول هذه الآية ونزول آية ‏{‏وأتموا الحج والعمرة لله الحج أَشْهُرٌ معلومات فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 196‏]‏ نحو من ثلاث سنين فتكون فيما نرى من الآيات التي أمر الرسول عليه السلام بوضعها في هذا الموضع من هذه السورة للجمع بين أعمال الحج وأعمال العمرة‏.‏

وهي وصاية بفرائض الحج وسننه ومما يحق أن يراعى في أدائه، وذكر ما أراد الله الوصاية به من أركانه وشعائره‏.‏ وقد ظهرت عناية الله تعالى بهذه العبادة العظيمة، إذ بسط تفاصيلها وأحوالها مع تغيير ما أدخله أهل الجاهلية فيها‏.‏

ووصف الأشهر بمعلومات حوالة على ما هو معلوم للعرب من قبل، فهي من الموروثة عندهم عن شريعة إبراهيم، وهي من مبدأ شوال إلى نهاية أيام النحر، وبعضها بعض الأشهر الحرم، لأنهم حرموا قبل يوم الحج شهراً وأياماً وحرموا بعده بقية ذي الحجة والحرام كلّه، لتكون الأشهر الحرم مدة كافية لرجوع الحجيج إلى آفاقهم، وأما رجب فإنما حَرَّمته مُضر لأنه شهر العمرة‏.‏

فقوله‏:‏ ‏{‏الحج أشهر معلومات‏}‏ أي في أشهر، لقوله بعده‏:‏ ‏{‏فمن فرض فيهن الحج‏}‏ ولك أن تقدر‏:‏ مدة الحج أشهر، وهو كقول العرب «الرطب شهرا ربيع»‏.‏

والمقصود من قوله‏:‏ ‏{‏الحج أشهر‏}‏ يحتمل أن يكون تمهيداً لقوله‏:‏ ‏{‏فلا رفث ولا فسوق‏}‏ تهويناً لمدة تر ك الرفث والفسوق والجدال، لصعوبة ترك ذلك على الناس، ولذلك قُللت بجمع القلة، فهو نظير ما روى مالك في «الموطأ»‏:‏ أن عائشة قالت لعروة بن الزبير يا ابن أختي إنما هي عشر ليال فإن تخلج في نفسك شيء فدعه، تعني أكل لحم الصيد، ويحتمل أن يكون تقريراً لما كانوا عليه في الجاهلية من تعيين أشهر الحج فهو نظير قوله‏:‏ ‏{‏إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 36‏]‏ الآية، وقيل‏:‏ المقصود بيان وقت الحج ولا أَنثلج له‏.‏

والأَشهر المقصودة هي شوال وذو القعدة وذو الحجة لا غير، وإنما اختلفوا في أن ذا الحجة كله شهر أو العشر الأوائل منه أو التسع فقط، أو ثلاثة عشر يوماً منه، فقال بالأول ابن مسعود وابن عمر والزهري وعروة بن الزبير وهو رواية ابن المنذر عن مالك، وقال بالثاني ابن عباس والسدي وأبو حنيفة وهو رواية ابن حبيب عن مالك‏.‏

وقال بالثالث الشافعي، والرابع قول في مذهب مالك ذكره ابن الحاجب في «المختصر» غير معزو‏.‏

وإطلاق الأشهر على الشهرين وبعض الشهر عند أصحاب القولين الثالث والرابع مخرَّج على إطلاق الجمع على الاثنين أو على اعتبار العرب الدخول في الشهر أو السنة كاستكماله، كما قالوا‏:‏ ابن سنتين لمن دخل في الثانية، وكثرة هذا الخلاف تظهر فيمن أوقع بعض أعمال الحج مما يصح تأخيره كطواف الزيارة بعد عاشر ذي الحجة، فمن يراه أوقعه في أيام الحج لم ير عليه دماً ومن يرى خلافه يرى خلافه‏.‏

وقد اختلفوا في الإهلال بالحج قبل دخول أشهر الحج، فقال مجاهد وعطاء والأوزاعي والشافعي وأبو ثور‏:‏ لا يجزئ ويكون له عمرة كمن أحرم للصلاة قبل وقتها، وعليه‏:‏ يجب عليه إعادة الإحرام من الميقات عند ابتداء أشهر الحج، واحتج الشافعي بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحج أشهر معلومات‏}‏، وقال أحمد‏:‏ يجزئ ولكنه مكروه، وقال مالك وأبو حنيفة والنخعي‏:‏ يجوز الإحرام في جميع السنة بالحج والعمرة إلاّ أن مالكاً كره العمرة في بقية ذي الحجة، لأن عمر بن الخطاب كان ينهى عن ذلك ويضرب فاعله بالدِّرة، ودليل مالك في هذا ما مضى من السنة، واحتج النخعي بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 189‏]‏ إذ جعل جميع الأهلة مواقيت للحج ولم يفصل، وهذا احتجاج ضعيف، إذ ليس في الآية تعميم جميع الأهلة لتوقيت الحج بل مساق الآية أن جميع الأهلة صالحة للتوفيق إجمالاً، مع التوزيع في التفصيل فيوقت كل عمل بما يقارنه من ظهور الأهلة على ما تبينه أدلة أخرى من الكتاب والسنة‏.‏ ولاحتمال الآية عدة محامل في وجه ذكر أشهر الحج لا أرى للأئمة حجة فيها لتوقيت الحج‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن فرض فيهن الحج‏}‏ تفريع على هاته المقدمة لبيان أن الحج يقع فيها وبيان أهم أحكامه‏.‏

ومعنى فرض‏:‏ نوى وعزم، فنية الحج هي العزم عليه وهو الإحرام، ويشترط في النية عند مالك وأبي حنيفة مقارنتها لقول من أقوال الحج وهو التلبية، أو عمل من أعماله كسَوْق الهدي، وعند الشافعي يدخل الحج بنية ولو لم يصاحب قولاً أو عملاً وهو أرجح؛ لأن النية في العبادات لم يشترط فيها مقارنتها لجزء من أعمال العبادة، ولا خلاف أن السنة مقارنة الإهلال للاغتسال والتلبية واستواء الراحلة براكبها‏.‏

وضمير ‏{‏فيهن‏}‏ للأشهر، لأنه جمع لغير عاقل فيجري على التأنيث‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج‏}‏ جواب من الشرطية، والرابط بين جملة الشرط والجواب ما في معنى ‏{‏لا رفث‏}‏ من ضمير يعود على ‏(‏من‏)‏؛ لأن التقدير فلا يرفث‏.‏

وقد نفى الرفث والفسوق والجدال نفي الجنس مبالغة في النهي عنها وإبعادها عن الحاج، حتى جعلت كأنها قد نهي الحاج عنها فانتهى فانتفت أجناسها، ونظير هذا كثير في القرآن كقوله تعالى‏:‏

‏{‏والمطلقات يتربصن‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 228‏]‏ وهو من قبيل التمثيل بأن شبهت حالة المأمور وقت الأمر بالحالة الحاصلة بعد امتثاله فكأنه امتثل وفعل المأمور به فصار بحيث يخبر عنه بأنه فَعَل كما قرره في «الكشاف» في قوله‏:‏ ‏{‏والمطلقات يتربصن‏}‏، فأطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة‏.‏

وقرأ الجمهور بفتح أواخر الكلمات الثلاث المنفية بلا، على اعتبار ‏(‏لا‏)‏ نافية للجنس نصاً، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع ‏(‏رفث‏)‏ و‏(‏فسوق‏)‏ على أن ‏(‏لا‏)‏ أخت ليس نافية للجنس غير نص وقرآ ‏(‏ولا جدال‏)‏ بفتح اللام على اعتبار ‏(‏لا‏)‏ نافية للجنس نصاً وعلى أنه عطف جملة على جملة فروي عن أبي عمرو أنه قال‏:‏ الرفع بمعنى لا يكون رفث ولا فسوق يعني أن خبر ‏(‏لا‏)‏ محذوف وأن المصدرين نائبان عن فعليهما وأنهما رفعا لقصد الدلالة على الثبات مثل رفع ‏{‏الحمد لله‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 2‏]‏ وانتهى الكلام ثم ابتدأ النفي فقال‏:‏ ‏{‏ولا جدال في الحجعلى أن في الحج‏}‏ خبر ‏(‏لا‏)‏، والكلام على القراءتين خبرٌ مستعمل في النهي‏.‏

والرفث اللغو من الكلام والفحش منه قاله أبو عبيدة واحتج بقول العجاج‏:‏

وَربِّ أَسْراببِ حجيججٍ كُظَّم *** عن اللَّغَا ورَفَثثِ التَّكَلُّم

وفعله كنصر وفرح وكرم والمراد به هنا الكناية عن قربان النساء‏.‏ وأحسب أن الكناية بهذا اللفظ دون غيره لقصد جمع المعنيين الصريح والكناية، وكانوا في الجاهلية يتوقون ذلك، قال النابغة‏:‏

حَيَّاككِ رَبِّي فإنَّا لاَ يحِلُّ لنا *** لَهْوُ النساءٍ وإِنَّ الدِّينَ قَدْ عَزَما

يريد من الدين الحج وقد فسروا قوله‏:‏ لهو النساء بالغزل‏.‏

وهذا خبر مراد به مبالغة النهي اقتضى أن الجماع في الحج حرام، وأنه مفسد للحج وقد بينت السنة ذلك بصراحة، فالدخول في الإحرام يمنع من الجماع إلى الإحلال بطواف الإفاضة وذلك جميع وقت الإحرام، فإن حصل نسيان فقال مالك هو مفسد ويعيد حجه إذا لم يمض وقوف عرفة، وإلاّ قضاه في القابل نظراً إلى أن حصول الالتذاذ قد نافى تجرد الحج والزهد المطلوب فيه بقطع النظر عن تعمد أو نسيان، وقال الشافعي في أحد قوليه وداود الظاهري‏:‏ لا يفسد الحج وعليه هدي، وأما مغازلة النساء والحديث في شأن الجماع فذريعة ينبغي سدها، لأنه يصرف القلب عن الانقطاع إلى ذكر الله في الحج‏.‏

وليس من الرفث إنشاد الشعر القديم الذي فيه ذكر الغزل؛ إذ ليس القصد منه إنشاء الرفث، وقد حدا ابن عباس راحلته وهو محرم ببيت فيه ذكر لفظ من الرفث فقال له صاحبه حصين بن قيس‏:‏ أترفُث وأنت محرم‏؟‏ فقال‏:‏ إن الرفث ما كان عند النساء أي الفعل الذي عند النساء أي الجماع‏.‏

والفسوق معروف وقد تقدم القول فيه غير مرة، وقد قيل أراد به هنا النهي عن الذبح للأصنام وهو تفسير مروي عن مالك، وكأنه قاله لأنه يتعلق بإبطال ما كانوا عليه في الجاهلية غير أن الظاهر شمول الفسوق لسائر الفسق وقد سكت جميع المفسرين عن حكم الإتيان بالفسوق في مدة الإحرام‏.‏

وقرن الفسوق بالرفث الذي هو مفسد للحج يقتضي أن إتيان الفسوق في مدة الإحرام مفسد للحج كذلك، ولم أر لأحد من الفقهاء أن الفسوق مفسد للحج، ولا أنه غير مفسد سوى ابن حزم فقال في «المحلَّى»‏:‏ إن مذهب الظاهرية أن المعاصي كلها مفسدة للحج، والذي يظهر أن غير الكبائر لا يفسد الحج وأن تعمد الكبائر مفسد للحج وهو أحرى بإفساده من قربان النساء الذي هو التذاذ مباح والله أعلم‏.‏

والجدال مصدر جادله إذا خاصمه خصاماً شديداً وقد بسطنا الكلام عليه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم‏}‏ ‏[‏في سورة النساء‏:‏ 107‏]‏، إذ فاتنا بيانه هنا‏.‏

واختلف في المراد بالجدال هنا فقيل السباب والمغاضبة، وقيل تجادل العرب في اختلافهم في الموقف؛ إذ كان بعضهم يقف في عرفة وبعضهم يقف في جمع وروي هذا عن مالك‏.‏

واتفق العلماء على أن مدارسة العلم والمناظرة فيه ليست من الجدال المنهي عنه، وقد سمعت من شيخنا العلامة الوزير أن الزمخشري لما أتم تفسير الكشاف‏}‏ وضعه في الكعبة في مدة الحج بقصد أن يطالعه العلماء يحضرون الموسم وقال‏:‏ من بدا له أن يجادل في شيء فليفعل، فزعموا أن بعض أهل العلم اعترض عليه قائلاً‏:‏ بماذا فسرت قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا جدال في الحج‏}‏ وأنه وجم لها، وأنا أحسب إن صحت هذه الحكاية أن الزمخشري أعرض عن مجاوبته، لأنه رآه لا يفرق بين الجدال الممنوع في الحج وبين الجدال في العلم‏.‏

واتفقوا على أن المجادلة في إنكار المنكر وإقامة حدود الدين ليست من المنهي عنه فالمنهي عنه هو ما يجر إلى المغاضبة والمشاتمة وينافي حرمة الحج ولأجل ما في أحوال الجدال من التفصيل كانت الآية مجملة فيما يفسد الحج من أنواع الجدال فيرجع في بيان ذلك إلى أدلة أخرى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وما تفعلوا خير يعلمه الله‏}‏ عُقب به النهي عن المنهيات لقصد الاتصاف بأضداد تلك المنهيات فكأنه قال‏:‏ لا تفعلوا ما نهيتم عنه وافعلوا الخير فما تفعلوا يعلمه الله، وأطلق علم الله وأريد لازمه وهو المجازاة على المعلوم بطريق الكناية فهو معطوف على قوله‏:‏ ‏{‏فلا رفث‏}‏ الخ‏.‏

معطوف على جملة‏:‏ ‏{‏وما تفعلوا من خير يعلمه الله‏}‏ باعتبار ما فيها من الكناية عن الترغيب في فعل الخير، والمعنى وأكثروا من فعل الخير‏.‏

والتزود إعداد الزاد وهو الطعام الذي يحمله المسافر، وهو تفعُّل مشتق من اسم جامد وهو الزاد كما يقال تَعَمَّم وتقَمَّص أي جعل ذلك معه‏.‏

فالتزود مستعار للاستكثار من فعل الخير استعداداً ليوم الجزاء شبه بإعداد المسافر الزاد لسفره بناء على إطلاق اسم السفر والرحيل على الموت‏.‏

قال الأعشى في قصيدته التي أنشأها لمدح النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيها بعض ما يدعو النبي إليه أخذاً من هذه الآية وغيرها‏:‏

إذا أنْتَ لم تَرْحَلْ بزاد من التقى *** ولاَقَيْتَ بعد الموت من قَد تَزودا

نَدِمْتَ أَنْ لا تكونَ كمِثْلِه *** وأَنَّك لم تُرْصِدْ بما كان أرْصَدا

فقوله‏:‏ ‏{‏فإن خير الزاد التقوى‏}‏ بمنزلة التذييل أي التقوى أفضل من التزود للسفر فكونوا عليها أحرص‏.‏

ويجوز أن يستعمل التزود مع ذلك في معناه الحقيقي على وجه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه فيكون أمراً بإعداد الزاد لسفر الحج تعريضاً بقوم من أهل اليمن كانوا يجيئون إلى الحج دون أي زاد ويقولون نحن متوكلون على الله ‏(‏‏)‏ فيكونون كلاً على الناس بالإلحاف‏.‏

فقوله‏:‏ ‏{‏فإن خير الزاد‏}‏ الخ إشارة إلى تأكيد الأمر بالتزود تنبيهاً بالتفريع على أنه من التقوى لأن فيه صيانة ماء الوجه والعرض‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏واتقون‏}‏ بمنزلة التأكيد لقوله ‏{‏فإن خير الزاد التقوى‏}‏ ولم يزد إلا قوله ‏{‏يا أولى الألباب‏}‏ المشير إلى أن التوقى مما يرغب فيه أهل العقول‏.‏

والألباب‏:‏ جمع لب وهو العقل، واللب من كل شيء‏:‏ الخالص منه، وفعله لَبُب يلُب بضم اللام قالوا وليس في كلام العرب فَعُل يفعُل بضم العين في الماضي والمضارع من المضاعف إلا عذا الفعل حكاه سيبويه عن يونس وقال ثعلب ما أعرف له نظيراً‏.‏

فقوله ‏{‏فإن خير الزاد التقوى‏}‏ بمنزلة التذييل أي التقوء أفضل من التزود للسفر فكونوا عليها أحرص، وموقع قوله‏:‏ ‏{‏واتقون يا أولي الألباب‏}‏ على احتمال أن يُرَاد بالتزود معناه الحقيقي مع المجازي إفادةُ الأمر بالتقوى التي هي زاد الآخرة بمناسبة الأمر بالتزود لحصول التقوَى الدنيوية بصَوْن العرض‏.‏

والتقوى مصدر اتقى إذا حذر شيئاً، وأصلها تقيي قلبوا ياءها واواً للفرق بين الاسم والصفة، فالصفة بالياء كامرأةٍ تَقْيَى كخَزْبى وصَدْيَى، وقد أطلقت شرعاً على الحذر من عقاب الله تعالى باتباع أوامره واجتناب نواهيه وقد تقدمت عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هدى للمتقين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 2‏]‏‏.‏